مارس 23, 2020

مُقدِّمة كتابنا: (مَا لا يَعْرِفُونَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم)

       الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَـمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى الـمَبْعُوث رَحْـمَةً لِلعَالَـمِينَ، نَبيِّنا مُـحْمَّدٍ r خَاتَـمِ الْأَنْبِيَاءِ والـمُرْسَلِينَ، وعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وصَحَابَتِهِ الْغُرِّ الـمَيَامِينَ، ومن اهتدى بـهَدْيِهِ إلى يوم الدِّين. وبَعْد؛

         لم أستطع تَعْيينَ لـحظةِ ولادةِ صورة الـمُفارَقَة الأولى من بَيْنِ عديدِ الـمُفارقاتِ الصَّادمةِ التي كَشَفْتَ عن حِدَّةِ تنافرِ رُؤيةِ الأَضْدَادِ بَيْنَ: ما صَدَرَ عن الـحركاتِ التَّكفيريَّةِ الـمُتطرِّفةِ من مواقفٍ صادمةٍ يندى لـها الـجَبين، وبَيْنَ ما صَحَّ عن رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- من مواقفٍ تَسْمُو بإنسانيَّتها إلى يوم الدِّين. وغاية ما أستطيع وصفه؛ أنَّني وجدت نفسي مُنهَمِكاً ذهنيّاً في مُطاردة تلك الـمُفارقات الواحدة تِلْوَ الأخرى. ولقد كان من أهمِّ بواعث ذلك الانـهماك الـمُكثَّف؛ هو توارد صُوَر تنظيمات الإسلام السِّياسِيّ وحركاته الظَّلاميَّة على شاشات القَنَوات الفَضائيَّة واصطدامها مع ما يستحضره ذهني من صُورِ حياةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِـحُكم تكويني الأَكاديـميّ الـمُتَخَصِّص في عِلم الـحديث النَّبَوِيّ ‏‏‏الشَّريف وصعود دَرَجَاته: دِرَاسَةً، وتَدْريساً، وبـَحْثَاً، وتَأليفاً. ذلك العِلم الَّذِي اعتنى برواية كلِّ ما أُثر عن رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- من أَقوالٍ، وأَفعالٍ، وتَقْريراتٍ، وصِفاتٍ سواء أكانت خَلْقِيَّة أم خُلُقِيّة، وسِيـَرٍ عَطِرَةٍ، وفق مناهج، وقواعد، وضوابط، مُستمدَّة من مَباحث كانت غايةً في التَّحقُّق، والتَّثبُّت، والتَّمحيص، والضَّبط، والصَّرامة، والـحياديَّة؛ جعلت من شَخْصيَّة رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الشَّخصيَّة التَّاريـخيَّة الوحيدة التي وُثِّقت حرَكَاتـها وسَكَنَاتـها بأَحْرفٍ من نور طيلة أربعةَ عشرَ قَرْنَاً خَلَتْ، وعلى هذا النَّحْوِ الفريد!!!

        ولقد استحال هذا الانـهماكُ الفكريُّ مَوضوعاً مُتماسكاً ومُتجانساً في إطار “مُفَارَقَةِ التَّقَابُل” (The Paradox) التي يصنعها الـحَدَثُ الـمُنطويُ على تناقض الـمَوَاقِف وتنافرها، الـهاربة بعيداً عن متاهات التَّلغيز والإغراق والإيهام، والسَّاعية حذو تصفية الفكر وتـجلية الأفهام، حتَّى أضحى مشروع دراسةٍ علميَّةٍ ناضجةٍ ونابضة، تتَّخِذ من الواقع الـمَعِيش مُنطلقاً حقيقيَّاً بكلِّ أحواله وتقلُّبَاتِهِ، وتستندُ في تَشْييد بِنْيتها الفكريَّة إلى قواعدِ البَحْثِ العِلميّ وتتقيَّد بضوابطه ومُتطلَّبَاتِهِ؛ لتُخاطب عقلَ الـمُتلقِّيِّ وتَـجعله شريكاً رَئيساً في عمليَّة التَّفاعُل الفِكري الـمَنشود فتمْنحهُ الـمساحةَ الاستكشافيَّةَ الكافيةَ لتَحفيز حسِّه النَّقديِّ والفِطريِّ عبر مُـجاورة الأَضْدَادِ في عِشْرِينَ مُفَارَقَةً مُنتقَاة، تَسْتَحْضِرُ أَهَمَّ مَوَاقِفِ الـحركات التَّكْفِيريَّةِ والتَّنظيماتِ الـمُتطرِّفَة التي شَكَّلَتْ جوهرَ فكرهَا التَّكفيريِّ ومُـمارساتـها على أَرْضِ الواقع مُقَابَل مَواقِف رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-. ويضع أمامَه أبعاد الـهُوَّةِ الواسعة بَيْنَ طرفَيْ التَّضَادّ: اتِّـجاهٌ مُصطَنعٌ مَـمْسُوخٌ يتمظهرُ برداء الإسلام زُورَاً بُـهْتَاناً، مُـمَثَّلاً بالـحركات التَّكفيريَّة والتَّنظيمات السِّريّة الـمُتطرِّفة وغيرهم من الـمُضلِّلين والـمُشوِّهين، وإسلامٌ نقيٌّ ينبع من مَعينِ القُرْآن الكريم، ويَسْتَقي من روافدِ السُّنَّة النَّبَوِيّة‏‏‏‏‏ الـمُطهَّرَة، مُـمَثِّلاً بِـمَنْ لا يَنْطقُ عن الهوى، رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-.

        فالدِّراسةُ في مَبْناها ومَعْناها وجَدْواها؛ هي دعوةُ الـمُتلقِّيِّ إلى التَّفكير مَليِّاً في تـحليل الواقع الـمَرير النَّاجِم عن ظَاهِرة الـحركات التَّكفيريَّةِ والتَّنظيماتِ الـمُتطرِّفة التي الْتَفَعَت رايةَ الإسلام والْتَحَفَت بِأطراف ظِلاله، وسَعَت إلى فَرْضِ أنساقٍ فكريَّةٍ تُؤلِّف بَيْنَ طَرَفَيْ الـمُفَارَقَةِ مُـخَالَلَةً وتآلُفاً، وتدمِج بَيْنَ حَدَّيها مُظَالَلَةً وتـحالُفاً، مُتغافِلة عن جوهر الضِّديَّة الـمُلازم لعناصرها مُفَاصَلة وتـخالُفاً. تلك الأنساقُ التي اشرأبَّت بـها بعضُ القراءات التي لا تكفُّ عن الغَمْزِ واللَّمْزِ والوكْزِ بأنَّ مَنْهج تلك الـحركات هو ذاته منهج رَسُولِ اللهِ r! وأنَّه وجْهُ الإسلام الـحقيقي الـمُتوارِي عن البَصَائر والـمَدارك على مَديد قُرونٍ خَلَت، وأنَّه الـحَلَقَةُ الـمَفقودةُ التي ستُسهِّل على النُّقَّاد الوصُول إلى منطقة “اللَّا مفكَّر فيه” (The Unthinkable)، ذلك الـمَفْهُوم الَّذِي رسَّخه الـمُفكِّرُ “محمَّد أركون” من خلال حُفرياته الـمُتواصلة عن مناطق الصَّمت في حقول التُّراث‏‏‏ الإسلاميِّ[1] بعد أنْ اُشتهر في الفلسفة الأوربيَّة الرَّاهنة على يد ميشيل فوكو (Michel Foucault)، والَّذِي فُهِم على أنَّه “الـمنطقة الـخارجة عن نطاق البحث والتَّفكير، التي تتشكَّل من الـمُهَمَّش والـمُسْتَبْعَد والـمَطْمُوس وكلِّ مَسكوت عنه بوعيٍ أو بغير وعي”[2]، ‏ليتَّخذ الـمفهومُ عند بعض النُّقَّاد مَساراً مُربكاً يؤسِّس لتصوُّرات غير واقعيَّة تتساوق مع أنساق أيديولوجيَّة مُسبقة يَصْعب الانفكاك منها.

          وليسَ البِرَّ أنْ ندخل حقول العِلم من غير أبوابـها، كما حصلَ في مشروع نقد العقل العربيّ والإسلاميّ وحَراكه الدَّائر في الـمَشْهَد‏ الفكريّ الرَّاهن، والَّذِي تَـمَوْضَعَ بَيْنَ حقول التُّراث‏‏‏ الإسلامي على مدار عُقودٍ خَلَت، مُستعيناً بالـمناهج الإنسانيَّة الأوربيَّة الـحديثة كالتَّاريـخانيَّة الفيلولوجيَّة والنَّظريَّات البِنيويَّة والتَّفكيكيَّة، بُغية تـحليل مُسلَّماته، وتفكيك بِنيته، وفتح مَغاليقه، ومن ثـمَّ بيان ملامح قُصوره ونقصه، تـمهيداً لتقويـمه، وتطويره، وتـجديده، بوصفه السَّبب الرَّئيس لتخلُّف الأمَّة عن التَّقدُّم العِلميّ والـحضاريّ، -كما استيقنته نِيَّاتـهم الـحَسَنة، وأَذْعنت له أفئدتـهم ومسامعهم في سعيهم الـمَحمود والغَيور نَـحْوَ التَّنوير الرَّامي إلى انتشال الأمَّتَيْن العربيَّة والإسلاميَّة من واقعهما الـمَرير- والَّذِي كان من بعض نتاجاته؛ أنَّه ولَّد خطاباً إشكاليَّاً شديد النُّخبويَّة، مُتَمَركِزاً على ذاته، مُغتَرِباً عن واقعه بقدر ما هو مُتواشج العروق مع العقلانيَّة -النَّواة الـمُتبقيَّة من الـحداثة-، ولقد بدا هذا النَّوعُ من الـخِطاب مع تقادُمِ نتائجه على مُدَدٍ متباعدة في العُقُود الأخيرة؛ أنَّه أقرب غايةً إلى حدود نَقْضِ التُّراث‏‏‏ وهدمه وتقويضه من مُنطلقات نَقْدِهِ وتوجيهه وتطويره، كما كان يُسوِّغه حُسْن الظنِّ به إبّان انطلاقه بوصفه مشروع نقد للعقل العربيّ والتُّراث‏‏‏ الإسلاميِّ البشريِّ الـمُستمَّد من الوحي، قبل أنْ ينخرط جاهداً في عمليّات نقد تشريـحيَّة لنصوص الوحي ذاتـها بـمَشَارِط الـحداثة الأوربيَّة، فجاءت نتاجاته: عَقِيمةً في عطائها الفكريّ الإيـجابيّ، وعَمِيقةً في تأثيرها الفكريّ السَّلبيّ؛ بسبب افتقار جُلِّ دُعاته إلى الـحدِّ الـمطلوب تـحصيله من الـمُؤهِّلات العِلْميَّة التَّخصُّصيَّة اللَّازِمة للغَوْص في بـحْر التُّراث‏‏‏ الإسلاميّ القائم أَصلاً على علوم شرعيَّة مُـحْكَمة ذات مناهِجٍ، وقواعِدٍ، وأُصولٍ، وأَدواتٍ، يَفْنى عُمر الـمُتخصِّص في تـحصيلها والإلْـمَام بـها وإدراك مراميها ومقاصدها، ناهيك عن نقدها وتقويـمها وتـجديدها!

         كذلك؛ ليس من أسُس البحث العِلميّ تَغْيِيب الـحَقْلِ التَّخَصُّصِيِّ للعُلوم الشَّرعيَّة وعلى رأسها عِلم الـحَدِيث –روايةً ودرايةً- بوصفه البِيئَةَ الطَّبيعيَّةَ الـخِصْبة التي انطلقت منها عمليَّات رصْد أسانيد الأحاديث ومتونـها، ونقدها، وبيان عِلَلها والـحُكم على رُواتـها، بعد أنْ أنفذَ “عِلمُ الـحَدِيث رِوَايةً” مهامَّه واستوى على سوقه بنقل الرِّواية وضبطها وحفظها وتـحرير ألفاظها، واستوفى “عِلمُ الـحَدِيث دِرَايةً” مباحثه في تـحليل مُتون الأحاديث واستخراج معانيها وشرْحها، وتوضيح غريبها، وإدراك فِقْهها، وتـمييز ناسِخها ومَنْسُوخِها، ومعرفة مُـختلفها ومُشْكِلها، وأَسباب ورودها، وغيرها من الـمباحث التي تُترجم عناية الـمُحَدِّثِينَ الفائقة بالسُّنَّة النَّبَوِيّة‏‏‏‏‏ بوصفها الأصلَ الـثَّاني من أُصُول الإسلام، والتي ترسَّخت مَكانتها في صميم عقيدة الـمُسْلِم وإيـمانهِ، وتـجذَّرتْ أُصُولـها في لبِّ عقله ووجدانهِ، وأنْفذَ ‏من خلالـها تطبيق أصُول الإسلام وأركانهِ.

         ولمَّا كانت فظائع الـحركات التَّكفيريَّة الـمُتطرِّفة بارزةً للعيان، حاضرةً في الأذهان، سواء ما تعمَّدت تصديره للعالَـم من مَشاهِد مُباشرة ذات طابعٍ سينمائيٍّ مـمهورٍ بتقنيات الكاميرا وتـحركاتـها الـحائمة نـحوَ مشهد الـحَدَثِ وخلفياته، الـمُتعقبَّة لتعابير وجه الضَّحيَّة مع انطلاق صيْحات “الله وأكبر” -زُوراً وبُـهتاناً- والرَّامية إلى نقل العُنف الـحقيقي إلى خَلَجَات الـمُتلقِّي بصورة أكثر عنفاً وأعمق تأثيراً. أم ما تـحكيه -وكالة عنهم- قَصَصُ الـمُصابين بويلات فظائعهم، تاركة مَهَمَّة ترويـجها إلى القنوات الفضائيَّة التي تـجاذبت بثَّها مِراراً وتَكراراً على رأس كلِّ ساعة؛ فإنَّ الـمَرءَ لا يـجد عناءً في كَدِّ ذهنه والتَّركيز على صياغة أحْداثها ومَضامينها، وتـحليل نـماذجها، وتفكيك بِنية خطابـها، على الرَّغم من كونـها أَحَد طرفَيْ الـمُفارَقَة؛ إنـَّما التَّركيزُ الـمُكثَّفُ (Concentration) سينصبُّ على طَرَفِ الـمُفَارَقَةِ الآخَرِ الـمُغَيَّب، والـمُتمثِّلِ بِـمَواقف رَسُولِ الله r بوصفهِ مرآةَ الإسلام الـحقيقيَّة والـحصريَّة التي اختارها الباريُ عَزَّ وَجَلَّ. الـمواقف التي يُرادُ لـها أنْ تظلَّ مطموسةً بَيْنَ طيَّات الصِّحَاح والـمَسانيد والسُّنَن والـمُسْتَخرَجات والـمُسْتدرَكات والـمُصَنَّفات الـحديثيَّة، ومعزولةً تـماماً عن وسائل الإعلام ومواقع التَّواصل الاجتماعيّ، ليبلغ الطَّمسُ قعرَه ومُنتهاه، ويُـحقِّق استتارَه ومُبتغاه، ويصل تأثيره مَداه، إلى الـحِّد الَّذِي استحالت معه مواقف الـحركات التَّكفيريَّة الـمُتطرِّفة الـمرآة التي تعكس صورة الإسلام على نَـحْوٍ يُنشِّط عُنف الأحكام الـمُتخيَّلة عنه، والتي باتت -للأسف الشَّديد- تُشكِّل صورته في أعماق الوعي الـجَمْعي.

         فمن شأن التَّركيز على مواقفه -صلى الله عليه وسلم- والـمدعوم بأدوات البحث العِلمي ومناهجه أنْ يفضحَ مُـمارساتِ الـحركاتِ التَّكفيريَّة الـمُتطرِّفة وأصحاب الأفكار الـهدَّامة، وأنْ تركنَ إليه نفسُ القارئ باطمئنان تامٍّ لِـما سيجده من توثيق تلك الـمواقف مع بيان حيثيّاتـها وعزوها لـمَصادِرها الأصليَّة الـمُحقَّقة تـحقيقاً علميَّاً وفق ضوابط التَّحقيق الصَّارِمة.

       ولقطف ثـمار التَّركيز على مَواقِفِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بوصفها عُنْصُرَ الـمُفارَقَةِ الـمُناهِضِ لأفعال تلك التَّنظيمات التَّكفيريَّة الـمُتطرِّفة؛ لابُدَّ من إحاطتها بدراسةٍ منهجيَّةٍ مُتماسِكَةٍ ومُتجانِسَةٍ وفق الـمَسَارِ التَّحليليِّ الآتي:

 

أَوَّلاً: عَرْضُ مَتْنِ الــحَدِيثِ وتَـخْرِيـجُهُ وَتَتَبُّعُ أَسَانِيدِهِ وَأَلفَاظَهِ:

        وذلك من خلال تـخريج الـحديث من مصادره الأصليَّة، وتتبُّع طرقه؛ لتحرير مواضع الاتِّفاق والافتراق والتَّفرُّد في الأسانيد، وتَعْيين مُتابعاته وشَواهده؛ ومن ثـمَّ الوقوف على تقارب ألفاظه وما قد يكتنفها من تقديـمٍ، أو تأخيرٍ، أو زيادةٍ، وتوافقٍ لفظيٍّ أو معنويٍّ؛ للوصول إلى لفظه الـجامِع، وتـحرِّي مناسبات وروده وإيراده.

ثَانِيَاً: بَيَانُ دَرَجَةِ الـحَدِيثِ:

        على الرَّغم من صِحَّة أغلب الأحاديث الـمُستدَلِّ بـها، وثبوتـها في الصَّحِيحَيْن وتلقِّي الأمَّةُ لـهما بالقبول والرِّضا والطَّمأنينة بوصفهما النَّواة الصُّلبة للسُّنَّة النَّبَوِيّة‏‏‏‏‏ الـمُطهَّرَة؛ فإنَّ تـخريجَ تلك الأحاديث وتتبُّع أسانيدها الـمُتشعِّبَة وبيان تقارب ألفاظها، وتـحرِّي اللَّفظ الـجامِع وبيان مبِلْغها من الصِّحَّة وإبراز حكمها؛ من شأنه أنْ يظهرَ للقارئ غير الـمُتخصِّص الـجهودَ الـجبَّارة التي بذلـها الـمُحَدِّثُونَ في نقل السُّنَّة النَّبَوِيّة‏‏‏‏‏ وصيانتها من خلال ما قدَّموه من نَقْدٍ حديثيٍّ في إطار الـجَرْح والتَّعْديل، والعِلَل، والـمُوازنة بَيْنَ الرِّوايات والأسانيد ونقد الـمُتون، فضلاً عمَّا في هذا البيان من تـجلية طَرَف الـمُفارَقَة.

ثَالثاً: شَرْحُ الـحَدِيثِ وَمَقَارَنتُهُ مَعَ طَرَفِ الـمُفَارَقَةِ الأَوَّل:

        وذلك بالاعتماد على كتب شُرَّاح الـحديث من الـمُحَدِّثِينَ والـحُفَّاظ حصراً، بوصفها أهمَّ روافد البحث في علم الـحديث دِرَاية، وللإفادة من مَلَكَات أصحابـها الـحديثيَّة، والنَّقديَّة، وتعقيباتـهم، واستدراكاتـهم على بعض، من أجل بيان معاني الـحديث وفهم دلالاته واستيعاب تطبيقاته ومقاصده، وفهم أشكاله البِنيويَّة والـموضوعيَّة ووظائفه الـخِطابية الـمُتفاعلة داخل النَّصِّ واستدعاء تقنيات قراءاته وأدوات فهمه الـمُعاصِرة، وكلّ ما قد يدخل طَرَفاً في سياق التَّحليل والـمُناقشة، مُستحضراً قول الـحافظِ ابنِ حَجَرٍ (ت 852ه): “وأنَّ الـمُتَعَيَّنَ‏ على مَن يَتَكَلَّمُ على الأحاديث، أنْ يـجْمعَ طُرُقها، ثُـمَّ يـجمعَ ألفاظَ الـمُتونِ إذا صَحَّتِ الطُّرُق، ويشرَحَها على أنَّهُ حديثٌ واحدٌ؛ فإنَّ الـحديثَ أوْلى ما فُسِّرَ بالـحديثِ”[3]. وكلُّ ما من شأنه أنْ يظهر صورة الـحديث ومعانيه وسياقاته ودلالاته الـحقيقيَّة مُقابل طَرَفِ الـمُفارَقَة الأوَّل.

 

 

                                                                                                د. عِيد شُكْر النِّدَاوي

                                                                                   أَبُو ظَبِي، الإمِارَات العَرَبيَّة الـمُتَّحِدَة

 

[1] ينظر: محمَّد أركون، تَاريِـخِيَّة الفِكْرِ العَرَبِيِّ الإْسَلامِيِّ، تَرْجَـمَة‏‏: هاشم صالح، ص60.

[2]  عَليّ حَرْب، نَقْدُ النَّص، ص64، بتصرُّفٍ يسير.

 [3] ابن حَجَرٍ العَسْقَلانِيّ‏، فَتْحُ البَارِي‏‏‏، ج6، ص475.

Posted in Uncategorized
Write a comment