24/03/2020

مقتطفات من كتابنا: مَا لَا يَعْرِفُونَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم –

مقتطفات من كتابنا: مَا لَا يَعْرِفُونَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم –

صفحة (203 – 215)

الطبعة الأولى، أبو ظبي

(الـمُفَارَقَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: رُؤُوسُ الـجَهْلِ والتَّجْهِيلِ)

 

 

الـمُفَارَقَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ

(رُؤُوسُ الـجَهْلِ والتَّجْهِيلِ)

طَرَفُ الـمُفَارَقَةِ الأَوَّل:

       في عَصْرِ الطُّوفَانِ الـمَعْلُومَاتيِّ الـجَارِف، وانـحْسَار التُّدفُّق الـمِعْرفيِّ الـهَادِف، حيثُ تُـجرَف الـمَعْلُومَاتُ من فَضاء الإنترنت جرْفاً، ويستحيلُ خليطُها مَعْرَفةً ويقيناً وتَرَفاً. طُوفانُ يـمنحُ مُسْتَهلكي سِلعَتَيْ الـجَهْلِ والتَّجْهِيلِ شُعوراً زائفاً بامتلاك نَواصِيَ الـمَعارف والعُلُوم، يتلقَّفون الـمَعْلُومَات من خارج حقولـها العِلْميَّة وميادينها الـمعرفيَّة الرَّصينة، فيَحْسَبُونـها عِلماً “يقينياً” ومِعْرِفَةً، ويَتشدَّقون بـها عُجُبَاً وغُروراً وعَجْرَفةً، فيَهتُفِون بـما يَغْرِفون، ويَهْرِفِون بـما لا يَعْرِفون.

       وكان من تداعيات ذلك الطُّوفَان الـمَعْلُومَاتي الـهادر، أنَّه عبث بـمقدَّرات العِلْم التَّجريبيّ الـمُعاصِر، ودَحْرَجَ كلَّ مُعطياته وعَمَليّاته على فَيْض الشَّبكة العنكبوتيَّة وأتاحها ‏ثقافةً فكريَّةً استهلاكيَّة وفق نَسِقٍ من التَّضليل الـمَعرفيِّ الفوضويِّ الَّذِي يَصْعُبُ معه التَّمييز بَيْنَ نتائج العِلْم الـمُتَراكمة، بَدْءاً من عَمَليَّاته الأساسيَّة (‏Basic Science Processes‏) وعَمَليَّاته التكامليَّة ‏‏(‏Integrated Science Processes‏) وما ‏أسفرتْ عنه هذه العَمَليَّات من مفاهيم، وتعميمات، ونظريَّات، وقوانين، شكَّلت ‏أهمَّ نتائج العِلْمِ التَّجريبيِّ الـمُعاصِر.‏

        وقد أحدث زَبَدُ ذلك الطُّوفَان تَثْمِينَاً مُبَالَغَاً لنتائجِ العِلْم التَّجريبيِّ الـمُعاصِر، وأضحت تلك النَّتائج عَقِيدَةً يَقينيَّةً مُقدَّسةً، ‏وأسندت لذلك التَّدفُّق الـمَعْلُومَاتيِّ -وليس العِلْميّ أو الـمعرفيّ- وظيفةً معياريَّةً سِياديَّة للحُكْمِ ومن ثَـمَّ الـهيمنة على قَضَايا ‏الاعتقاد، والرَّأي، والسُّلوك، في جـميع مناحي حياة الإنسان الفرديَّة والاجتماعيَّة والثَّقافيَّة ‏والاقتصاديَّة والسِّياسيَّة،‏ ليعيد الفكرَ البشريَّ إلى زمن النَّظرة الـمُتعالية التي أبدتـها تصوُّرات الفيزياء التَّقليديَّة للمادَّة التي طالـما راهنت على دقَّة ‏‏قوانينها ‏ويقينيَّتها، وأعطت انطباعاً مَغلوطاً ببلوغ دقَّة تلك القوانين مراحل متقدِّمة من اليقينِ ‏والثَّبات.

         والغريبُ أنَّ هذهِ الثَّورةَ الـمَعْلُومَاتيَّةَ وتَقنياتَـها الـمُتنامية، الـمُكرِّسة للسَّطحيَّة والضَّحالة الـمَعْرفيَّة، الـمُنشِئَة لوَهَم الـمعْرفة؛ قد شاعتْ بعد أنْ فِرَضَ العِلمُ الـمُعاصِرُ معاييرَه ومقاييسَه، وهيمن على العُقول فسلبَ منها ألبابـَها، وتسلَّق سُلَّم الـمَعارف فتمكَّن ‏‏من ‏أسبابـها، واحتكر سُلطانـها وأحكم غلْق أبوابـها. بل إنَّـها قفزت على نتائج ذلك العِلْم العظيم تَوْظيفاً وتَرْويـجاً وتَسْويقاً، وما رافق ذلك كلُّه من تَثْمينٍ مُبَالَغٍ لنتائجهِ التي أضحى الكثيرُ منها كعُمْلةِ نُقُودٍ مُلْغَاةٍ سُحِبَت من كافَّة التَّعاملات الـمَاليَّة.

         ولعلَّ الأغربَ من هذا كلِّه، أنَّ هذا التَّسلُّط على “سُلْطة العِلْم” أيديولوجيَّاً قد أَتى من خارج نِطاق العُلَمَاءِ العَامِلين في الـحُقُول العِلْميَّة الـمُتعدِّدة[1]، ويتناقضُ في الوقْتِ ذاتهِ مع مَوْقِفِ العُلَمَاءِ -من داخل مَعْقِل العِلْمِ أيضاً- ‏الَّذين يؤكِّدون أنَّه لم يعدْ بإمكان العِلْم الرَّاهن التَّثبُّت من  يَقِينيَّة جميع نتائِجه العِلْميَّة سواء أكانت نظريَّات أم قوانين عِلْميَّة، بعد أنْ أثبتَ واقعُ العِلْم إنَّ الوصولَ إلى اليقينِ مَطْلَبٌ عَسْيرُ الـمَنَالِ إنْ لم يكن مُستحيلاً[2]، فلم يَعُد في العِلْم -الـمُتَّسِم بالصَرامَةِ ‏والـمَوضُوعيَّة- مَوْضِعاً لـمُصْطَلحات اليقينِ، والـجزْمِ، والقطْعِ، والصِدْقِ، والعِصْمَةِ عن الـخطأ، بعدَ أنْ أطاحتْ ثورةُ فيزياءِ الكمّ (‏Quantum physics‏)، -وخاصَّة مَبْدأها الأكثر تأثيراً في تاريخِ العِلمِ: “مَبْدَأ عَدَمِ اليَقِينِ” (‏Uncertainty principle‏)– بالتَّصوُّرات العِلْميَّة ‏الـمَادِّية، كالـحتْميَّة العِلْميَّة (‏Determinism‏)، والاطِّراد في الطَّبيعة (‏Uniformity‏)، والعِليَّة ‏‏‏(‏Causality‏)، بل أنَّــها أجبرت الـمُجْتَمعَ العِلميَّ على التَّخلِّي عن كثيرٍ من يَقينيَّاته العِلْميَّة الكبرى[3].‏

          وإذا كانَ هذا حالُ العِلمِ التَّجريبيِّ الـمُعاصِرِ الَّذِي لـمْ يعرفْ مَنْطقاً غير مَنْطقهِ، ولم يَأبَه لنَقْد غير نَقْدهِ‏؛ فمن البديهيِّ أنْ يكون حال الـمَعارفِ الإنسانيَّةِ أكثر عُرْضَةً لتشوّهات الطُّوفَان الـمَعْلُومَاتيّ وأسهل ترويضاً، وأطوع انقياداً للأنساق الأيديولوجيَّة والدَّعاوى -التي تتمظهر برداء العِلْمِ والـمِعرفِة- والـمُجرَّدة من مُقوِّمات التَّحقيق العِلمي الرَّصين، وإذا نظر العَالـِمُ إلى التُّدفُّقِ الـمَعْلُومَاتيِّ الـهادِر بِعَيْنٍ أكاديـميَّةٍ رصينةٍ وفاحصة؛ لا يُتوقَّع منه ألَّا يُفْجَعَ بـحجم التَّشوُّهات الَّتي تعتري الـمَعارف والعُلوم في جميع الـمَيادين، الباعثة في الـمُتلقِّين –خاصَّة ذوي التَّكوين الـمَعرفي الـمُتدنِّي بوصفها الشَّريـحة الغالبة والـمُتنامِية- طابعاً زائفاً من الزُّهو والاستعلاء والإقصاء ورفض الآخَر‏، وبشكل يعمِّق من حِدَّة الاضطرابات والانقسامات التي يعاني منها العالَـم اليوم عن طريق اختلاق الزَّوابع الفكريَّة ‏الـمُزيَّفة، وإلى الـحدِّ الَّذِي غَدا فيه هذا الطُّوفَانُ الـمَعْلُومَاتيُّ عامِلاً حاضراً، بل حاسـماً في أدبيَّات الـمُساجلات والـمُناظرات التي يـخوضها مُنظِّرو التَّطرُّف من التَّيارات الأيديولوجيَّة: الإلـحاديَّة، واللَّادينيَّة، وبعض التُّوجُّهات الـحداثيَّة التَّقويضيَّة، والـحركات التَّكفيريَّة الإقصائيَّة، الـمُتحدِّثة باسم الإسلام زُوراً وبُـهتاناً.

          وقد أفاد التَّكفيريُّون والـمُتطرِّفون غايةَ الإفادةِ من تداعيات الطُّوفَانِ الـمَعْلُومَاتيِّ الـمُنْهَمر عبر أثير الفضائيَّات والشَّبكة العنكبوتيَّة -كما أفاد غيرُهم من الإيديولوجيِّين الاستلابيِّين العابثين بثوابت الإسلام ومُسلَّماته باسمِ حريَّة الفكر والتَّعبير- ليتصدَّر أولئك الـمُتطرِّفون الـمَشْهَدَ‏ على حين غفلةٍ، ويسوِّقوا أنفسهم علماءَ للشَّرْع وقادةً للمِلَّة، ونشروا الكُتُبَ والكُتيبات، والرَّسائلَ والـخُطَب والـمُساجَلات، وفرَّغوا نصوصَ التَّسجيلات، ونشروا سُـموم ‏تنظيرات خطابـهم التَّكفيري كما تنتشر النَّار في الـهشيم عَبْرَ مَنصَّاتـهم الـمُنتشرة عبر فضاء الإنترنت، لتسكن عقلَ الـجيلِ الرَّاهن الَّذِي بات مُنْصَاعاً مُذْعِناً، ومُنْصِتاً مُدْمِناً، لكلِّ ما يفيض به ذلك الطُّوفَانُ من معلومات رقميَّة ضخمةٍ ومُتراكمةٍ تـحتويها أكثر من مِليار مَوقع إلكترونيٍّ على الويب الـمَرئيِّ.

         وتكمن الـمُعضلةُ الكبرى في أنَّ الـجيلَ الرَّاهن الَّذِي يعيش واقعاً افتراضياً يقوم على ضَجيجِ وصَخبِ الـمَعْلُومَاتيَّة الـهائلة التي لا يـملك مقوِّمات حَصْرِها، ولا أَدوات تصنيفها، ويصعب عليه معرفة مرجعيَّتها، ومن ثَـمَّ تـمييز حقيقها من زائِفها، وغثِّها من ‏سـمينها، وحقِّها من باطلها؛ أنَّ هذا الـجيلَ لا يعلم شيئاً عن مستوى ضَحَالة الـمَعْلُومَات الـمَنْشُورة، ومقدار الزَّيفِ والـخِدَاعِ والـجَهْلِ الَّذِي يَشُوبُ الـخِطاب التَّكفيريّ والـمُتطرِّف الَّذِي لا يكلُّ عن الاستدلال الـمُتكلَّف بالنُّصوصِ القُرْآنيَّةِ الكريـمةِ العامَّة والـمُطلقة -ونادراً جداً الأحاديث النَّبَوِيّة‏‏‏‏‏- واجتزائها من سياقاتـها الصَّحِيحة، والاستدلال بـها في غير مَواضعها بصورةٍ تلفيقيَّةٍ، مـمهورةٍ بفصاحة اللُّغة وحُسْن الصِّياغة، مُتواريِةٍ خلف عِبَارات الفُقَهَاءِ الـمُستَساغة، ومشفوعةٍ ببراعة الإلقاء الـمُفَوَّه الـمُحَاكي لطريقة إلقاء كبار الـخُطَبَاء وأَهْلِ البَلَاغَة.

             وقد يَلْمَسُ النَّاظرُ والـمُتلقِّي لآليات الـخِطاب التَّكفيريِّ، ونوعيَّة أَدواته، وطَرَائِق استدلالاته، في بَادئ الأمْرِ جَانِبَاً من الاستنباط والتَّأصيل الـمُستفاد من طَرائق عِلم أُصول الفِقْه الاستدلاليَّة، ولربـَّما يلتبس عليه الأمْرُ ويـمضي حامِلاً معه تداعيات تقاعسه وتكاسله وتغافله عن التَّحقُّق والتَّثبُّت فيخاله خِطَاباً دينيَّاً حقيقيَّاً مُستمدّاً من أُصُول الشَّرْع‏ وقواعده؛ إلَّا إنَّ الـمُتخصِّصَ بعُلوم الشَّرْع ومقاصده، يُدرك بـمجرَّد مراجعة مقوِّمات هذا الـخطاب التَّكفيري، ‏وقراءة منطلقاته ومكوِّناته، وتَـحرِّي طبيعة مناهجه وأدبيَّاته، وتتبُّع مساراته، ومُعاينة مـحطَّاته، ووضعها جميعاً على طاولةِ الفحْصِ والتَّمحيص والنقْدِ في ضوء مناهج أُصول العِلْم الشَّرعيِّ وقواعده وضوابطه ومقاصده؛ يُدرك تـماماً حينها حجم الزَّيف والتَّوظيف الكاذب الَّذِي يعتريه، وتتكشَّف لديه طبيعة مُرتكزات الـخِطاب ومُنطلقاته، وبُطلان استنباطاته، وفساد استدلالاته، واعوجاج مساراته، الأمر الَّذِي يفضح منهجهم العام الـمُنطوي على الكثير من الـجَلْجَلَة والصَّخب والشَّغب والتَّضليل، وضُعْفِ طَلَب العِلم ورداءة ‏التَّحصيل، وضَحالة مَلَكَات الاستدلال والاستنباط والتَّأصيل، والـجَهْلِ بقواعد الشَّرْع‏ ومقاصده، ‏والعْجَز عن قراءة الواقع الـمَعيش وفهم أبعاده؛ كونه قد قام من الأساس على قاعدة: “اعَتَقَدَ ثُـمَّ اسْتَدَلَّ “[4]، بـخلاف منهج عُلمَاء الشَّرْع‏ وأئمَّته الرَّاسِخين ‏الَّذين “اسْتَدَلُّوا ثُـمَّ اعْتَقَدُوا” ‏الَّذين كانوا مُتَمَكِّنين من ضوابط الـحِجَاج العَقْليِّ وأُصُول الاستدلال الـمَنْطقيَّ، وبارِعين بآداب الجَدَل والـمُناظَرة، واشتهروا على سَبيل التَّقعيد والتَّأصيل وتَشْييد القواعد وصناعة ‏الاستدلالات، فكان الـحُكْم عندهم يدور حيث دار دليله، وحضرت حُجَّته، وفق مناهج استدلاليَّة وضوابط نقديَّة صارمة. بَيْنَما اعتصر رؤوسُ الـجَهْلِ النَّصَّ القُرْآنيَّ، وحـملوه وفق أهوائهم التي هيمنت على عقولـهم وأفئدتـهم وجوارحهم، فأوغلوا في مساربِ الـجَهْلِ والأوْهام، وأضحوا بـجهلهم هذا حاكمين على الشَّرْع غير مُـحتكمين إليه، وحادوا عن الـمَنهج النَّبَوِيِّ، فَضَلُّوا عن منهج اللهِ القَويـم، وأَضَلُّوا أَتباعهم عن صراطه الـمُستقيم.

طَرَفُ الـمُفَارَقَةِ الآخَر:

          عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو ‏-رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا-‏ قَالَ: سَـمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم – يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَـمْ يُبْقِ عَالِمًا اتّـَخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»

أوَّلاً: تَـخْرِيجُ الـحَدِيثِ وَتَتَبُّعُ أَسَانِيدِهِ وَأَلفَاظِه:

          الـحَدِيثُ مَرْوِيٌّ عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو ‏-رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا-‏ أخرجه عنه: البُخَارِيُّ واللَّفظ له[5]، ومُسْلِمٌ بنحو لفظه[6]، والتِّرْمِذِيُّ[7]، وابنُ مَاجَه[8]، وابنُ الـمُبَارَك[9]، وابنُ أبي شَيْبَةَ[10]، والإمامُ أَحْمَد[11]، والنَّسَائِيُّ[12]، وابنُ حِبَّان[13]، وغيرهم.

ثَانِيَاً: بَيَانُ دَرَجَةِ الـحَدِيثِ:

         الـحديثُ صحيحٌ لوروده في صحيحي البُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ، فضلاً عن صِحَّة أسانيده وطُرُقه الأُخْرَى في بقيَّة الـمَسانيد والسُّنَن والـمُسْتَخرَجات.

ثَالِثَاً: شَرْحُ الـحَدِيثِ وَمَقَارَنتُهُ مَعَ طَرَفِ الـمُفَارَقَةِ الأَوَّل:‏

          جاءت دعوةُ الإسلام لطلب العِلْم مُفعَمة بالـحماسةِ منذ أوَّل إشراقةٍ له على الأرض ليزيل عنها ما تراكم من طبقات الـجَهْلِ والتَّخلُّف والوثنيَّة، حينما افتتح الوحي بكلمة (ٱقۡرَأۡ) بوصفها مفتاح العِلْم، قَالَ تَعَالَى:‏ ( ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ) [العَلَق:1]، لتُشكِّل هذه الآية الكريـمة أوَّلَ مُنطلقات تكريـم العِلم، وسـموّ مكانته، ونفاسة منزلته، ولتتوالى الآيات في بيان فضل العِلم وأهله، فأمر اللهُ تعالى نبيَّه -صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم- بالتَّزوّد من مناهل العِلم، فقَالَ تَعَالَى:‏ (وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا ) [طه: 114]، وليَمْتَدَّ الاهتمام ليشمل أَهل العِلم وخاصَّته فقَالَ تَعَالَى:( يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ ) [الْمُجَادَلَة: 11]، إلى غير ذلك من الآيَات القُرْآنيَّة الكريـمة الأخرى الدالَّة على سُـموّ مَكانة العِلْم وقَداسته.

         ولقد واكبت السُّنَّة النَّبَوِيّة‏‏‏‏‏ الـمُطهَّرَة هذا النَّهج القُرْآني بُـحكم وظيفتها البيانيَّة والتَّشريعيَّة؛ وعزَّزت توجُّهاته وسلكت لتفعيل دور العِلْم وتـحصينه وضمان ديـموميَّته مَسالك عديدة، من أهمِّها على سبيل التَّمثيل والإيـجاز:

الـمَسْلَكُ‏ الأَوَّل: أمرَ رسولُ الله -صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم- بطلب العِلم وتـحصيله وتبليغه ونشره، وجعل طريق العِلْم سبباً للوصول إلى الـجنَّة، قال -صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم-: «ومَن سَلَكَ طريقًا يَلْتَمِسُ فيه علمًا سَهَّلَ اللَّهُ لهُ به طريقًا إِلى الـجنَّةِ»[14].

الـمَسْلَكُ‏ الـثَّاني: شدَّدَ رسولُ الله -صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم- على ضرورة نشر العِلم وعدم كتمانه، خاصَّة العِلْم الضَّروري الَّذِي يهدف إلى إصلاح حياة الإنسان وإسعاده، فلا مبرِّر لكتمانه أو احتكاره، بل ينبغي أنْ تتناقله الأجيال لإعمار الأرض وإنـمائها، فقال -صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم-: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[15]. ففي الـحديث تصريح واضح بعقوبة كاتـم العِلم، لاسيما إنْ كان العِلم يُعدم إنْ لَـمْ يُظهره، وعقوبة اللَّجم هي العقوبة الـمُناسبة لكاتـم العِلْم كونه ألْـجم نفسه بالسُّكوت[16]، لتُحقِّق السُّنَّة من خلال منهجيَّة التَّرغيب بالعِلم والتَّحذير من العبث به أو كتمانه التَّوازن الـمَطلوب لبناء شخصيَّة العالـِم الأخلاقيَّة التي ستحمل العِلمَ بكلِّ تفانٍ وأمانة.

الـمَسْلَكُ الثَّالث: فتح رسولُ الله -صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم- للعلم آفاقاً جديدة نـحو التَّجْربَة والتَّجريب من خلال قوله: ‏«أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ»[17]، الَّذِي كان حافزاً كبيراً لابتكار علماء ‏الـحَضَارَة‏ الإسلاميَّة للمنهج التَّجريبيّ الَّذِي أضحى فيما بعد جذراً أصيلاً للعِلمِ التَّجريبيِّ الـمُعاصِر، كما مرَّ بنا في الـمُفارَقَة الثَّامِنَة.

الـمَسْلَكُ الرَّابع: أمر رسولُ الله -صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم- بضرورة توجيه مسار العِلم نـحو منفعة الإنسان، وحذَّرت من العِلْم الَّذِي لا نفع منه ولا فائدة، فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: «سَلُوا اللَّهَ عِلْمًا نَافِعًا، وَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ»[18]، وكان -صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم- يستعيذ من الله تعالى من العِلم غير النَّافع بقوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ»[19].

الـمَسْلَكُ الـخامس: حذَّرَ رَسُولُ اللهِ -صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم- من الـجَهْلِ والـجُهَّال والـمتعاملين وأدعياء العِلم الـمُتطفلين على موائده، كما في الـحديث الَّذِي نـحن بصدد بيانه وشرحه.

         والـمُتأمل لظاهِر قوله -صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم-: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَـمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّـخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». يدرك من سياقه؛ أنَّ العِلمَ لا يزال بوصفه مصدراً مُدوَّناً ومـحفوظاً ومُوثَّقاً في الكُتُب والـمَكتبات؛ وإنّـَما يُزال بـموت العُلَمَاء ‏الَّذين يفقهون ذلك العِلم ويعلمون جيداً تاريخه ومـحطَّاته وتقلُّباته، ويدركون مناهجه وقواعده وضوابطه ومُـحدِّداته، ويميزون قوانينه ونظريَّاته وفرضيَّاته؛ فإنَّ عدمَ وجود العُلَمَاء الرَّاسِخين يفرض دخول الرُّؤوس الـجُهَّال إلى صَرْح العِلم من دون أبوابه والقَفْز فوق أسواره، والعَبَث بتاريـخه، وخلخلة مَناهجه، وتَـمْييع قواعده وضوابطه، وخلط نتائجه ومُعطياته، يقول الـحـافِظُ ابنُ الـمُلقِّن (ت 804ه): “ومعنى: ‏«إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا»، أنَّ اللهَ لا يهب العِلم لـخلقه ثُـمَّ ينتزعه بعد تفضُّله عليهم، ولا يسترجع ما وهبَ لـهم من العِلْم الـمُؤدِّي إلى معرفته والإيـمان به وبرسله، وإنَّـما يكون انتزاعه بتضييعهم العِلم فلا يوجد من يـخلف من مضى فأنذر -صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم- بقبض الـخير كلِّه”[20]. وقال الإمام أَبُو العَبَّاس القُرْطُبِيُّ (ت 656ه) في معرض شرحه للحديث: “وهو نصٌّ في أنَّ رفع العِلم لا يكون بـمحوه من الصُّدور، بل بـموت العُلَمَاء وبقاء الـجُهَّال ‏الَّذين يتعاطون مناصب العُلَمَاء في الفتيا والتَّعليم، يفتون بالـجَهْلِ ويعلِّمونه، فينتشر الـجَهْلِ ويظهر”[21].

           ولقد بيَّنَ رَسُولُ الله -صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم- خطورةَ الفراغ العِلميَّ الذي يتركه انْطواء العُلَمَاءِ الرَّاسِخينَ على العِلْم وعلى النَّاسِ بقوله: ‏«…حَتَّى ‏إِذَا لَـمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»‏. واستعمال كلمة: “الرُّءُوس” – بـحذف الواو أو بإثباتـها كما في رُؤُوس، وكلاهما صحيح-[22]، تدلُّ على استفحال أمْرِ الـجُهَّال حين يَغْدُون رُؤوساً مَعروفين بأشخاصهم، يتبعهم النَّاس نتيجة ذلك الفَراغ العِلْميّ العَارض، فيتصدَّرون منصَّات العِلم ويتحدَّثون باسـمه من حيث يشعرون ولا يشعرون، ذلك لأنَّـهم يـخوضون في بـحر العِلم من دون أن يعرفوا آليَّة ركوب أمواجه ولا إتقان فنِّ العَوْم على سَطحه، فيتشبَّثُونَ لإنقاذ أنفسهم بـما يطوف على البَحْر من أجسام تبعث بـها الأمواج، وهم يـَحْسَبُونَ أنَّـهم قد نـجوا من الغَرَقِ وتـمكَّنُوا من قَهْرِ ذلك البَحْر الـمُتلاطِم، ولـمْ يشعروا أنَّـهم انـجرفوا في متاهات من الضَّلال والطَّلاسِم، فأَضاعوا أنفسهم وضلُّوا ضلالاً كبيراً، وأضلُّوا من استْرشد بـهم من النَّاس‏، فأَضاعوا أنفسَهم والعِلمَ والنَّاسَ‏ جميعاً. قال الإمامُ الـمُحدِّثُ‏ الـمُظْهِريُّ (ت 727ه)‏ في سياق شَرْح الحديث: “قوله -صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم-: ‏«فَضَلُّوا»‏؛ أي: صار قضاتـهم و‏الَّذين أفتوهم ضالِّين، وجعلوا قومهم ضالِّين أيضًا؛ لأنَّه مَنْ تَبِعَ جَاهِلًا يَدلُّه على سَبيل الضَّلال، ومَنْ تَبعَ عَالِـمَا يدلُّه على سبيل الرَّشاد”[23].

         ومع تفاقم ظاهرة الاحتباس العِلمي والـمَعرفي لصالـح التَّدفُّق الـمَعْلُومَاتي الـجارف؛ يشعر الـمُطَّلع على الـحَراك الفكريْ والعِلمي والثَّقافي الرَّاهن بظاهرة تصدُّر الـجُهلاء من ذوي التَّأهيل الـمَعْرفي الـمُتَدَنِّي أو بعض الـمُثقَّفين الـمُتكلِّمين في غير تـخصُّصاتهم في وسائل الإعلام الـمُختلفة وتـجاسرهم على العُلوم والـمَعارف، لا سيما فيما يتعلق بالعُلُوم الشَّرعيةَّ الإسلاميَّة، حيث شَوَّه “الـجَهْلُ والرُّؤوسُ الـجُهَّال” صورة الإسلام عبر تيَّاريْ التَّطرُّف الـمُتصَارِعَين عليه توظيفاً أو نقداً، الـمُتباعِدَيْن في الأساليب والـمُنطلقات، والـمُتقارِبَيْن في النَّتائج والتَّداعيات، ويَكْمُن وجهُ تأثير الجَهْلِ فيه من زاويِتَيْن:

        الأُولَى:تنطلقُ من تيَّار التَّطرُّف التَّكفيريّ الإيديولوجيّ الـمُتحدِّث باسم الإسلام زُوُراً وبـُهتاناً، والسَّاعي إلى قيادة العالَـم الإسلاميّ، عَبْرَ إشاعةِ الـجَهْلِ والتَّجْهِيلِ في بلاد الـمُسلمين‏ عامَّة، لاسيما البُلدان التي ابتليت بفوضى “رَبِيع العرب” ورَزَايا الاحتلال، وما رافق أعمالـهم الوحشيَّة في الـمَناطق التي تـخضع لسيطرتـهم من مظاهر إشاعة الـجَهْلِ وتقويض العُلُوم الشَّرعيَّة الصَّحِيحة لـحساب تنظيراتـهم وأدبيَّاتـهم الشَّاذَّة، وإجبار الطُّلاب على نبذ العلوم البحتة والتَّطبيقيَّة وبقيَّة الـمَعارف، وتنكيلهم بعلماء الأمَّة الرَّاسخين وإهانتهم وقَتْلهم وإجبار الآخرين منهم على الانزواء فارِّين بأرواحهم وذويهم؛ وكان من تداعيات هذا كلّه أنْ أصبحَ رؤوسُ الـجُهَّال من أُمَراء الدِّم في الزِّمن الـمُكتظِّ بالفتن عُلماء مُزيَّفين، سُرعان ما لبسوا رِدَاءَ العِلم وكوَّروا العَمائم، وأطلقوا اللُّحى وكلَّ مَظاهر التَّعالُـم، وجثموا على صدور الـمُسلمين‏ بالسُّيوف الصَّوارم، وفرضوا عليهم جهالاتـهم وضلالاتـهم وانحرافاتـهم عن الـهَدْيِ النَّبَوِيِّ ‏‏‏الشَّريف، وصاغوا إسلاماً على مَقَاساتـهم، يـخضع لـمآربـهم الـمَريضة الجانـحة نـحو اعتلاء السُّلطة واستغلال حُبِّ الـمُسلمين‏ لدينهم وتـمسُّكهم بعقائده ومصادره وأحكامه وقيَمه وأخلاقيَّاته، واستطاعوا بفتاويهم الشَّاذَّة الـمُخالفة لكتاب الله تعالى وصَريح السُّنَّة النَّبَوِيّة‏‏‏‏‏، الـمُكفِّرة لعموم الـمُسلمين‏ وحُكَّامهم، الـمُستبيحة لدمائهم وأعراضهم وأموالـهم، استطاعوا تشويه الإسلام وخطفه من علمائه وأهله، وقد ساعدهم التَّدفُّق الـمَعْلُومَاتي الضَّخم في فضاء الإنترنت على بثِّ سُـمومهم وأيديولوجيَّاتـهم وتسويق أنفسهم ناطقين باسم الإسلام والـمُسلمين‏ أمام الرَّأي العالَـميّ.

         الـثَّانية: تنطلقُ من تيَّار التَّطرُّف الآخَر النَّاقِد للإسلام الطَّاعن بثوابته ومُسلَّماته ويقينيّاته، الَّذِي يُـمثِّله ثُلَّةٌ من غير الـمُتخصِّصين بعُلُوم الشَّرْع، الـمُفْتَقِرين إلى الـحدِّ الـمَطلوب تـحصيله من الـمُؤهِّلات العِلْميَّة التَّخصُّصيَّة اللَّازمة للغَوْص في بـحْر ‏التُّراث‏‏‏ ‏الإسلاميِّ القائم أصلاً على علوم شرعيَّة مُحْكَمة، خاصَّة علم الـحديث النَّبَوِيّ ‏‏‏الشريف، الَّذِي أنْضَى قاصديه مـمَّن حاول النَّفاذ إليه بغير مفاتيحه، وأمْضَى راصدِيه حَيَارَى في متاهات فسيحة، ولَـمْ يسمح لناقديه بتناول نصوصه خارج إطار منهجه الـمَعْرفي الصَّارم الَّذِي تأسَّس، ونضج، وتأصَّل عبر قواعد معرفيَّة رصينة، صاغته عقول جبَّارة، مُـخلِصَة لدينها، وفيَّة لعلومها.

           كما لـمْ يسعفهم تكوينهم العِلمي البعيد عن ذلك الـمَنهج الـمَعرفيّ الشَّرعيّ بلوغ جذوره العميقة، وروافده الـجوهريَّة، وإجراء عمليَّات نقد نصوص الشَّرْع وعلومها وفق الـمَعايير النَّقديَّة الـمُقرَّرة والـمؤسِّسة لبِنيته الـمَعرفيَّة الرَّصينة، فدخلوا التُّراث‏‏‏ الإسلاميّ الضَّخم الـمُتنامي عبر تاريـخه الـمَديد من غير أبوابه، ونقدوه عبر ما يعرف بالـمَعارف الـمُتداخلة أو “عَبْرَ التَّخصُّصيَّة” (‏interdisciplinary‏)‏ وبقيَّة الـمناهج النَّقديَّة الألسُنيَّة والتَّاريـخانيَّة الـمُندثرة في عقر دارها، فتصدَّروا الـمَشْهَدَ‏ الفكريّ الرَّاهن وطَرحوا قضايا شرعيَّة كُليَّة من الدِّين شديدة الـحساسيَّة تلقَّفها إعلاميُّون ومثقَّفون غير مُتخصِّصين؛ فاتّـَخذوها مادَّةً تسويقيَّةً على فضاء القنوات التِّلفازيَّة ومواقع التَّواصل الاجتماعيّ لاستقطاب الـمَزيد من الإثارة الإعلاميَّة وعلى نـحوٍ من التَّسطيح والتَّحايل والفقر الـمعرفيّ، أفضى غالبها إلى التَّشكيك بثوابت الإسلام ومبادئه الكبرى.

         ولقد بات معلوماً في ضوابط العِلم الـمُتَّصف بالصَّرامة والـموضوعيَّة أنَّ من أبرز صور الـجَهْلِ والتَّجْهِيلِ الـمُتعمَّدَيْن؛ هو التُّطفُّل على حُقُول العِلم والـمعارف من خارج معاقلها وأسوارها، والعبث بقواعدها وأصولـها ومناهجها، وتزييف حقائقها، واستغلال مادَّتـها سلعة تسويقيَّة رائجة في انتهاك صارخ لـمُتطلَّبات النَّزاهة الأكاديـميَّة ومقتضيات الأمانة العِلميَّة، وما آلَ إليه هذا الانتهاك من حالة لبْسٍ شديد صادمة عند الـمُثقَّف العربيّ والـمُسْلِم حين يتبيَّن له في نـهاية الـمطاف أنَّ معظم الـمُتكلِّمين في قضايا الشَّرْع الإسلاميّ هم من خارج التَّخَصُّص الـمعرفيّ لعلوم ذلك الشَّرْع الـحنيف، وهم من الدَّاخلين إليه من غير أبوابه، فجاءت معظم طروحات هذا التَّيار في إطار الزَّعم الـمُجرَّد من البرهنة والإثبات، والادِّعاء الَّذِي يَعوزه الدَّليل، ويضعه في مصاف الكلام الـمُرْسَل الَّذِي لا تضبطه قاعدة ولا يُقيِّده مَبْدَأ، الَّذِي يفرض خطابه بذريعة حريَّة التَّفكير التي أضحت ‏الأداة التي يـمارس من خلالها الاستبداد الفكريّ، والوسيلة التي يُتوصَّل عبرها إلى مصادرة الفكر ‏الإنسانيّ، وتقويضه، والسَّيْر به نـحو الـمَجهول وفق أنساقٍ أيديولوجيَّةٍ مُسَبَّقَة.

          ولقد تغذَّى كِلا التَّيَّارَيْن الـمُؤدْلَـجَيْن على نتاجات الآخَر، وتعدَّى كلُّ واحدٍ منهما على الآخَّر لترويج تنظيراته الرَّامية إلى تصدُّر الـمَشْهَدَ‏ الإسلامي الرَّاهن، فقد انطلقت معظم نتاجات التيَّار النَّاقد للإسلام من باب نقد الـحركات التَّكفيريَّة الـمُتطرِّفة، والتي آلت في -معظمها ومن دون قصد- إلى نقد ثوابت الدِّين والتَّشكيك بـمصادره ويقينيَّاته؛ بَيْنَما صوَّرت الـحركات التَّكفيريَّة أولئك النُّقَّاد بأنَّـهم أعداء الإسلام الـحقيقيُّون، فكان لزاماً أنْ يُـحذروا النَّاسَ‏ منهم، ويسوِّقوا أنفسهم مُنافحين عن حـمى الإسلام. وبَيْنَ هذا التَّيار وذاك، أوْجَدَ الـجَهْلُ ورُؤوسُ الـجُـَهَّال إسلاماً زائفاً مُشوَّها مُؤدْلَـجَاً سواء أكان شعبويَّاً تعبويَّاً على نَسِقٍ طائفيٍّ وتكفيريٍّ بغيضَيْن، أم نـخبوياً مُتعالياً متمركزاً على ذاته مُقَوِّضَاً عُلوم الشَّرْع‏، وساعياً إلى تَبْيئة القطيعة معها على نـحوٍ صادمٍ ومريبٍ.

          ومن الـمُثير للدَّهْشَةِ أنَّ الـجَهْلَ والتَّجْهِيلَ أو “انْعِدامَ الـمَعْرِفَة” أصبح في العُقُود الثَّلاثة الأخيرة عِلماً ومَسَاقاً يُدرَّس في بعض الـجامعات العالَميَّة الـمَرموقة[24]، وغدت الشَّبكةُ العنكبوتيَّةُ ومواقع التَّواصل الاجتماعيّ وبعض البرامج الـحواريَّة السَّطحيَّة التي تناقش قضايا فِكريَّة مَفْصليَّة أكبر من مقاسات ضيوفها الـمُختارين؛ من أجل استقطاب أنظار الـمُشاهدين وتـحقيق أعلى نِسَبِ مُشاهدة؛ غدت تلك الوسائل مرتعاً خِصْباً يقوم على أَساس ترْسيخ الشَّكِّ في جـميع الـمَعْلُومَات الـهائلة والـمُتاحة إلى حدِّ التَّضارب!!! التي يصبح معها العِلمُ جهلاً، والـجَهْلُ علماً، وبـما يتوافق إلى حدٍّ كبيرٍ ودقيق مع استشراف -بـمعناه الـمُولَّد- فكر الإمام الفَقِيه والـمُحدِّث‏ الكبير عَامِرٍ الشَّعْبيّ (ت 103ه) إبَّان شرحه للحديث الشَّريف عندما قال: “لا تقومُ الساعةُ حتَّى يصيرَ العِلمُ جَهْلاً، والجـَهْلُ عِلماً”[25].

         فلقد أدَّى رَسُولُ اللهِ -صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم- الأمانةَ وبلَّغ الرِّسالة حينما أَنْذر في هذا الـحديث الأمَّةَ والإنسانيَّةَ جـمعاء من استباحة حِـمى العِلم، واقتحام الرُّؤوسِ الـجُهَّالِ أَبوابه وميادينه، وتصدُّرهم حقوله وعناوينه، وما يسعى إليه الـمَتعَالـِمون من مُـحاولاتٍ حثيثة لركوب صَهْوته، وتكدير صَفْوته، واستغلال حَظْوته، واستلاب سَطْوته، وامتلاك سُلطته الـجانِـحَة، وتضييق آفاقه الـجامِـحَـة.

         كما حذَّرَ رَسُولُ اللهِ -صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم- عُلَماءَ الشَّرْعِ ألَّا يكونوا قِيعَاناً لا تُـمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً، كما أخرجه الإمامُ البُخَارِيُّ –”جَبَلُ الـحِفْظِ وإِمَامُ الدُّنْيَا في فِقْهِ الـحَدِيْث”[26]– في باب: “فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ”، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ -صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم- قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الـهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ الـمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ الـمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِـهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّـمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُـمْسِكُ مَاءً وَلاَ تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَـمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَـمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ»[27].

      فَقَد ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ -صلى اللهُ عليه وآله وسلَّم- مَثَلاً، ومَا يَعْقِلُ أَمْثَالَ الشَّرْع إلَّا العَالِـمُونَ، قَالَ تَعَالَى:‏ ( وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ)  [العَنْكَبُوت: 43].

الهوامش:

 [1] يَـحضرني في هذا الـمَقام الـمُفارَقَة التي طَرَحَها الفيزيائيُّ وفَيْلَسُوفُ العِلْمِ الشَّهير هانْز رَايْشِنبَاخ (‏H. Reichenbach‏) (1891-1953م)، حيثُ يَقُول: “ومِن غَرائبِ ‏الأُمُورِ الـمُشاهَدةِ بالفعلِ، أنَّ أولئكَ ‏الَّذينَ يَرْقُبُونَ البَحْثَ العِلْميَّ من الـخارجِ، ‏ويُعْجَبونَ بهِ؛ يكونُ لديهم ‏‏في كثيرٍ مِنَ الأَحْيانِ ثِقَةٌ في نتائج ِالبَحْثِ العِلْميِّ تَفُوقُ ثِقَةَ ‏أُولئكَ ‏الَّذينَ يُسهِمونَ في تَقَدُّمِهِ!!! فالعَالـِم ‏يعْرِفُ ‏الصُّعوباتِ التي كانَ عليهِ أنْ يُذلِّلها قبلَ ‏أنْ يُثبتَ نظريَّاتَه، وهوَ يَعْلَمُ أنَّ الـحَظَّ قد حَالَفهُ في ‏كَشْفِ النَّظريَّاتِ التي تُلائم ‏ما لديهِ من ‏مُلاحظاتٍ، وفي جَعْلِ الـمُلاحظاتِ التَّاليةِ تُلائمُ نَظريَّاته، وهو ‏يُدرك أنَّه قد تظهرُ في أيِّ ‏لـحْظَةٍ: مُلاحَظاتٌ ‏مُتعارِضةٌ، أو صُعُوباتٌ جديدةٌ، وهو لا يَزْعمُ أنَّه اهتدى ‏إلى الـحَقِيقَةِ ‏النِّهَائِيَّة”. ينظر: هانز رَايْشِنبَاخ، نَشْأةُ الفَلسَفَةِ العِلْميَّة، ص54.‏

 [2] يقول مؤسِّسُ فيزياء الكمِّ الألـمانيُ ماكس بلانك ‏(‏Planck‏M. )‏ (1947-1858م) ما نصَّهُ: “أتعرف لِـماذا لا نتمكَّن نـحـنُ بَنُو البَشَرِ مِن حَلِّ ‏الألغازِ النِّهائيَّةِ للكوْن؟ السَّببُ بَسِيطٌ؛ لأننَّا أَنْفُسَنا في النِّهايةِ نُـمثِّلُ جُزءاً من ذلك الكوْن؛ وبالتَّالي نَـحْنُ ‏جُزْءٌ من اللُّغْزِ والـمَعْضلةِ الَّتي نُـحَاولُ حَلَّها. نَـحْنُ بِبَسَاطةٍ، لا نـمْلِكُ القُوَّةَ، ولا الـحَقَّ لافتراض وجودِ، ولا حتَّى ‏بقاءِ، فَضْلاً عن سَرْمَدِيَّة ما اكتشفناهُ من قَوانين”‏. ينظر: كلفورد، أ. بِكوفر (‏Clifford Pickover‏)‏، رُوَّادُ الـمَعْرِفَةِ عَبْر القُرُونِ مِن أرْخَمِيدِس إلى هَاوكِنج، ج3، ص362.‏

 [3] للتَّوسُّع في بيان توجُّهات العِلْم الرَّاهن نـحو اللَّايقين، أُحيلُ القارئَ الكريـم إلى مؤلَّفات رُوَّاد فيزياء الكمِّ وأساطين علم الفيزياء الـحديثة: نيلز بور ‏(‏Niels Bohr‏)‏، النَّظَريَّة الذريَّة وَوصْف الطَّبيعَة، ص91؛ وفيرنر هَايـزِنْبِـرغ ‏ (‏Werner Heisenberg‏)‏، الـمَبَادِئ الفيزيَائيَّة لنَظَرِيَّة الكَمِّ، ص٢٧، ولَهُ أيضاً: الفِيزيَاء والفَلسَفَة، ثَوْرَةٌ في العِلْم الـحَدِيث، ص126؛ وبول ديرّاك ‏(‏Paul Dirac‏)‏، مَبَادِئ مِيكَانِيكا الكَمِّ، ص17.

وينظر على سبيل الإيجاز: ‏ ديفيد لندلي ‏(‏David Lindley‏)‏، مَبْدَأ الرِّيْبَة: آينِشْتَاين، وهَايـزِنْبِـرغ، وبُور، والصِّرَاع من أجْل رُوح ‏العِلْم، ص22، وستيفن هَوْكينغ ‏(‏Stephen Hawking‏).‏، تاريخ مُوجَز للزَّمَن مِن الانْفِجَار الكَبير إلى الثُّقُوب السَّوداء، ص126، وأغروس ‏(‏R. M. Augros‏)‏، وَستانسيو‏ (‏‎G. Stanciu‏)‏، ‏العِلْمُ في مَنْظُورِهِ الـجَدِيد، ص21.

 ويُنظر كذلك: مؤلَّفاتُ أَهمِّ رُوَّادِ عُلمَاء الإِبشستمولُوجيا: هانز رايشنباخ‏ (‏H. Reichenbach‏)‏، نَشْأة الفَلسَفَة العِلْميَّة، ص165؛ ورودولف كارناب (Rudolf Carnap)، الأُسُس الفَلسَفيَّة لِلفِيزيَاء، ص311.

 

 [4] ويُعرَف بلغة الفلسفة بـمُصْطَلح “الـمَنْطِق الدَّائريّ، أو الاستدلال الدَّائريّ (Circular Reasoning)”: وهو مُغالَطة مَنْطقيَّة تضع النَّتيجةَ قبل الدَّليل، ليدور الدَّليل في فلكها مؤيِّداً وداعماً، بدلاً من أنْ يقود الدَّليل إلى النَّتيجة، ينظر: عادل مُصطفى، الـمُغَالَطات الـمَنْطَقيَّة، فُصُول في الـمَنْطِق غير الصُّوَرِيّ، ص103.

 [5] البُخَارِيّ، الصَّحِيح، ج1، ص31، رقم100.

 [6] مُسْلِم، الصَّحِيح، ج4، ص2058، رقم2673.

 [7] التِّرْمِذِيّ‏، السُّنَن، ج4، ص328، رقم2652.

 [8] ابن مَاجَه، السُّنَن، ج1، ص36، رقم52.

 [9] ابن الـمُبارَك، الزُّهْد والرَّقائِق، ص281، رقم816.

 [10] ابن أبي شَيْبَةَ، الـمُصَنَّف، ج7، ص505، رقم37590.

 [11] الإمام أَحْمَد، الـمُسْنَد، ج11، ص59، رقم5611.

 [12] النَّسَائِيّ، السُّنَن الكُبْرَى، ج5، ص391، رقم5876.

 [13] ابن حِبَّان، الصَّحِيح، ج10، ص432، رقم4571.

[14] وهو جزء من حديث أخرجه: مُسْلِمٌ، الصَّحِيح، ج4، ص2074، رقم2699، وقد تقدَّم تـخريجه في الـمُفارَقَة الثَّامنة.

[15] أخرجه: أَبُو دَاوُد، السُّنَن، ج5، ص500، رقم3659، واللَّفظ له، والتِّرْمِذِيُّ‏، السُّنَن، ج4، ص326، رقم2649، وابنُ مَاجَه، السُّنَن، ج1، ص178، والطَّيَالِسِيُّ، الـمُسْنَد، ج4، ص266، رقم2657، وابنُ أبي شَيْبَةَ، الـمُصَنَّف، ج5، ص316، رقم26454، والإمامُ أَحْمَد، الـمُسْنَد، ج13، ص18، رقم7175، وابنُ حِبَّان، الصَّحِيح، ج1، ص297، رقم95، وغيرهم، وهو حديثٌ صحيح.

[16] ينظر: الـخَطَّابيّ، مَعَالِـم السُّنَن، ج4، ص185، وشِهَاب الدِّين التُّورِبِشْتِي، الـمُيَسَّر في شَرْح مَصَابيح السُّنَّة، ج1، ص106، الـمُظْهِري، الـمَفَاتِيح في شَرْح الـمَصَابِيح، ج1، ص321، والطِّيبِـي، الكَاشِف عن حَقائِق السُّنَن، ج2، ص680، وابن الـمَلَك، شَرْح مَصَابيح السُّنَّة، ج1، ص208، والسُّيُوطِيّ، مِرْقَاة الصُّعُود إلى سُنَن أبي دَاوُد، ج2، ص899.

 [17]حديثٌ صحيحٌ أخرجه مُسْلِمٌ، تقدَّم -في الـمُفارَقَة الثَّامِنَة- تـخريـجه وبيان ألفاظه وطُرُقه وأسانيده ومناسبة وروده وأحكامه.

[18] تقدَّم تـخريـجه، وهو حديثٌ صحيحٌ لغيره؛ من أَجْل أُسامَة اللَّيْثِيِّ، فهو صدوقٌ، حَسَن الـحديث.

[19] هو جزءٌ من حديث أخرجه مُسْلِمٌ، تقدَّم تـخريـجه في “الـمُفارَقَة الثَّامِنَة”. ‏

 [20] ‏ابن الـمُلقِّن‏، التَّوضِيح لشِرْح الجَامِع الصَّحِيح، ج3، ص 495.

 [21] أَبُو العَبَّاس القُرْطُبِيّ، الـمُفْهِم لـِما أُشْكِلَ من تلخيص كتاب مُسْلِم، ج507.

 [22] ضَبَطَ الـمُحَدِّثُونَ والعُلَمَاءُ كَلِمَة: ‏”رُءُوسًا”‏ بـهذا الشَّكل، وهي في القُرْآن الكريـم كذلك، قَالَ تَعَالَى:‏ )وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ( [البقرة: 279]، وقَالَ تَعَالَى:‏ )طَلۡعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ( [الصَّافَّات: 65]، قال الإمامُ النُّوَوِيُّ: “وَقَوْلُهُ r: ‏«اتَّـخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا»‏، ضَبَطْنَاهُ في البُخَارِيِّ رؤسا بِضَمِّ الْـهَمْزَةِ وَبِالتَّنْوِينِ جَمْعُ رَأْسٍ وَضَبَطُوهُ فِي مُسْلِمٍ هُنَا بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُـمَا: هَذَا، وَالثَّانِي: رُؤَسَاءَ بِالْمَدِّ جَـمْعُ رَئِيسٍ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ”. ونقل كلامه جلُّ شُراح الـحديث من بعده. وقالَ إمامُ اللُّغَةِ ابنُ سِيْدَه (ت 458ه):‏ رَأْسُ الشَّيءِ أعلاه والـجمع أَرْؤُسٌ وآراسٌ على القَلْبِ ورُؤُس على الـحذف، قال امْرُؤُ القَيْسِ: (فَيَوْماً إلى أَهْلِي ويَوْماً إليكُم … ويَوْماً أحُطُّ الـخَيْلَ من رُؤْسِ أَجْبالِ). ينظر: النَّوَوِيّ‏، الـمِنْهاج شَرْح صَحيح مُسْلِم بن الـحَجَّاج، ج16، 224، وابن سِيْدَه، الـمُحْكَم والـمُحِيط الأَعْظم، ج8، ص543‏.

 [23] الـمُظْهِري، الـمَفَاتِيح في شَرْح الـمَصَابِيح، ج1، ص310.

 [24] ينظر: توما دو كوناك (‏Thomas De Koninck‏)، الـجَهْلُ الجَدِيد ومُشْكِلَة الثَّقافَة، ص142. وينظر كذلك:

Proctor, R. and Schiebinger, L. (2008). Agnotology: The Making and Unmaking of Ignorance. Stanford University Press.

Nicholas G. Carr. (2010). The Shallows. W.W. Norton and Company.

 [25] ابن رَجَب الـحنْبَليّ، جَامِع العُلُوم والـحِكَم في شَرْحِ خَـمْسِينَ حَدِيثاً من جَوامِع الكَلِم، ص118.

 [26] ابن حَجَرٍ العَسْقَلانِيّ‏، تَقْرِيب التَّهْذِيب، ص468.

 [27] البُخَارِيُّ، الصَّحِيح، ج1، ص27، رقم79، وأخرجه كذلك: مُسْلِمٌ، الصَّحِيح، ج4، ص1787، رقم2282، والإمامُ أَحْمَد، الـمُسْنَد، ج32، ص343، رقم19573، وابنُ أبي عَاصِمٍ، السُّنَّة، ج2، ص437، والبزَّارُ، الـمُسْنَد، ج8، ص149، رقم3169، والنَّسَائِيُّ، السُّنَن الكُبْرَى، ج5، ص359، ‏رقم5812، وأَبُو يَعْلَى‏‏ الـمَوْصِلِيّ، الـمُسْنَد، ج13، 295، رقم6311، وأَبُو عَوَانَة، الـمُسْتَخرَج، ج18، ص91، رقم 10118، والرَّامَهُرْمُزِيُّ، أَمْثَالُ الـحَدِيث الـمَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبَيِّ ‏r، ص28، رقم 12، وغيرهم.

 

Posted in Uncategorized
Write a comment